ابحاث الدكتور صبحي  شوقى زُردق

الإشارات العلمية في قوله (كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ)

اليتيم.jpg

مقدمة

أولى الإسلام اليتيـم أهميةً كبرى، وكيف لا و قد ولٍد نبينا صلوات الله عليه يتيماً، فتولاه ربه و رعاه و أكرمه و أواه قال تعالى (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) الضحى..  وقد ذُكر اليتيم في القرءان في أكثر من موضع، فتراه تارةً يوصي بعدم قهر اليتيم فى قوله تعالى (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) الضحى

و تارةً تراه يُثني على من  يُطعمه في قوله (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) الإنسان ، و تارةً  يحذر من أكل ماله  في قوله  (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الانعام 152  ، و تارةً يذم و يُندد  بمن يَدُع اليتيم  في قوله (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) الماعون ، و تارة يضم جميع ما سبق من معانى في آية واحدة و هي (كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) الفجر  و هي نقطة البحث في هذه المقالة  ...

 ثم أتت السُنة المطهرة وأكدت على ما جاء به القرءان حتى رفعت من شأن من يكفل اليتيم فجعلته رفيق النبي في الجنة في قوله صلى الله عليه وسلم «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُما شَيْئًا.. مسلم

 

أقوال المفسرين

جاءت معظم التفاسير لقوله تعالى (كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) الفجر 17 بمعاني متقاربة تحض جميعها - بغض النظر عن المخاطب في الآية -  على الرفق باليتيم و الإحسان إليه  و إكرامه :

السعدي : {كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} : اليتيم الذي فقد أباه وكاسبه، واحتاج إلى جبر خاطره والإحسان إليه ، فأنتم لا تكرمونه بل تهينونه، وهذا يدل على عدم الرحمة في قلوبكم، وعدم الرغبة في الخير.

السمعاني : {لَا تكرمون الْيَتِيم} فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: هُوَ أكل مَالهم أَي: الْيَتَامَى، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه ترك الْإِحْسَان إِلَيْهِم.

البغوى: (لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ)  لَا تُحْسِنُونَ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا تُعْطُونَهُ حَقَّه.

بن كثير: وَقَوْلُهُ: (كَلا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) فِيهِ أَمْرٌ بِالْإِكْرَامِ لَهُ..

حقائق علمية

قبل أن نتحدث عما جاء فى قوله تعالى (كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) من إشارات علمية نود أولاً أن نطرح أمامكم مجموعة من الحقائق العلمية حول ما قد يتعرض له الطفل من ضغطٍ عصبي 

Stress

  جراء ما قد يُبتلى به من محن وشدائد (مثل اليُتـم) ... فما هو الضغط العصبي لدى الأطفال، وما  هي أنواعه، ومتى يشكل خطراً على صحة الطفل.

الضغط العصبي Stress  

هو استجابة الجسم الفسيولوجية والذهنية والسلوكية لمواقف وأحداث تُستقبل كتهديد أو كتحدي، وهي استجابة طبيعية تهدف إلى التأقلم وحماية الذات، لكنها تضر إذا طالت مدتها أو زادت شدتها.

أنواع الضغط العصبي لدى الأطفال

وضع " المجلس العلمي القومي للطفل النامي “ثلاثة أشكال من الضغط العصبي تخص الأطفال تحديداً وهي: الضغط العصبي الإيجابي، والضغط العصبي المُتحمَل، والضغط  العصبي السام.. والأخير هو أسوأهم وأخطرهم على صحة الأطفال.

  • الضغط العصبي الإيجابي Positive stress

استجابة فسيولوجية قصيرة المدة ناتجة عن نشاط محور تحت المهاد – النخامية – الكظر (HPA) عند التعرض لضاغط عصبي خفيف – متوسط، ويعود الجسم إلى حالة استتبابه بمجرد زوال مصدر الضغط العصبي.. والضغط العصبي الإيجابي هو جزء طبيعي وهام للنمو الصحي للطفل.. وهو مثل الضغط الذي ينتج عن التغيرات الفسيولوجية التي يمر بها الطفل خلال فترة نموه.

  • الضغط العصبي المٌتحمَل Tolerable stress

حالة فسيولوجية تنتج عند التعرض لضاغط عصبي أشد في المدة والحدة عن نظيره المسبب للضغط العصبي الإيجابي.. ولكن مع وجود كل من التخفيف والدعم الكافي من مقدمي الرعاية للطفل وآليات الدفاع النفسي الفعّالة من الطفل فإن الجسم سوف يتوافق ويتكيف مع الضاغط العصبي ومن ثَمَّ العودة إلى " حالة الاستتباب" التي تعنى التوازن النفسي والجسدي.. ومثال ذلك الطفل الذي مات أبوه ولكنه وجد ممن حوله الرعاية والكفالة.  

  • الضغط العصبي السام Toxic stress

وهو الضغط العصبي الناتج عن التنشيط المستمر أو المتكرر أو الزائد لاستجابة الضغط العصبي بالجسم والجهاز العصبي الذاتي في عدم وجود التخفيف والدعم الاجتماعي من الكبار الراعيين للطفل وهو ما يؤدي إلى اضطراب عمل الجهاز العصبي الغدى والجهاز المناعي، هذا الاضطراب لا يسمح للجسم بأن يعود إلى حالته المستتبة لذا فإن ذلك النوع من الضغط العصبي يعتبر " سام " بالنسبة للجسم وخاصةً أثناء السنوات الأولى من عٌمر الطفل.. ومثال ذلك الطفل الذي مات أبوه ولكنه لم يجد ممن حوله أي رعاية أو كفالة.

أسباب الضغط العصبي السام:

كثير من مكاره ومحن الحياة في مرحلة الطفولة وخاصةً السنوات الأولى منها قد تسهم في إصابة  الطفل بالضغط العصبي السامToxic stress  

وذلك إذ لم يجد الطفل المبتلى من يعطف عليه ويهتم به.. وأمثلة تلك المحن كثيرة منها: إهمال الطفل و حرمانه من حقه في تعليم جيد و ملبس جيد و طعام جيد، استغلال الطفل جسدياً أو جنسياً، تعرض الطفل لاعتداء منزلي، أحداث عنف لدى الجار، الفقر المدقع، إدمان أحد الأبوين للمخدرات أو أحد أفراد الأسرة، إصابة أحد الأبوين أو مقدم الرعاية للطفل بمرض عقلي، حدوث الطلاق أو الانفصال بين الأبوين، دخول أحد الأبوين السجن أو أحد أفراد الأسرة، وفاة شخص عزيز لدى الطفل مثل الأب و هي "حالة اليُتم" التي ندندن حولها في هذه المقالة.

   مخاطر الضغط العصبي السام Toxic stress 

قد يتسبب الضغط العصبي السام  في نتائج عميقة الأثر على جسم الطفل، وذلك من خلال التأثيرات

 Stress system  التراكمية للاضطراب المزمن في جهاز الضغط العصبي بالجسم 

، هذا الاضطراب المزمن ثبت أنه يُضعف عمل كل من الأجهزة الآتية: الجهاز العصبي والجهاز

المناعي والجهاز التناسلي و جهاز الغدد الصماء.. كما أن التغيرات المتعددة بتلك الأجهزة قد تسبب   تغيرات أخرى في الوظائف الأيضية و الفوق جينية Epigenetic ..  التأثيرات والمخاطر

 وفيما يلي نستعرض بعض التأثيرات والمخاطر على أجهزة الجسم 

  • التأثير على الجهاز العصبي

قد يؤدي التعرض للضغط العصبي السلبي إلى عرقلة الكيمياء العصبية و التنظيم الهندسي للمخ المتنامي مشتملاً على حدوث تغيرات تركيبية و وظيفية في كل من:  "الحصين "     Hippocampus  و القشرة المخية الجبيهة  Frontal cortex، و لوزة المخ (الإميجدالا ) Amygdala ، و هو ما يزيد في النهاية من خطر   الضعف الذهني و المعرفي ، و نقص الانتباه ، و صعوبات التعلم ، و ضعف بالوظائف التنفيذية (التخطيط ، حل المشاكل ) ، و ضعف التحكم فى الذات ، و ضعف الذاكرة و الإصابة بالقلق .

تشابكات عصبية.jpg
  • التأثير على القلب والأوعية

يسبب التعرض للضغط العصبي السام تنشيط استجابة الالتهاب المزمن نتيجة النشاط المزمن للجهاز العصبي السمبثاوي و التواجد المزمن لوسائط الالتهاب في الدم ، و هو ما قد يترتب عليه أضرار مثل: ارتفاع ضغط الدم  ، تدمير جدران الشرايين ، التصلب العصيدي المبكر ، خطر أمراض القلب و الأوعية الدموية  ، جلطات بالقلب ، السكتة الدماغية .

  • التأثير على الجهاز المناعي

الضغط العصبي السام في مراحل الحياة الأولى قد يؤدي إلى تغيُر الاستجابة المناعية الطبيعية بجسم الطفل، و هو ما يزيد من خطورة العدوى بسبب المستويات المرتفعة من الكورتيزون مع نقص الخلايا المناعية للخلايا التائية T- helper cell، و كذلك قد يؤدي إلى التهاب مزمن بسبب تواجد السيتوكينات المحفزة للالتهاب بشكل مستمر، أو يؤدي إلى ضعف قدرة كريات الدم البيضاء  على الاستجابة للإشارات المضادة للالتهاب .. وضعف الوظائف السابقة للمناعة أيضاً قد يزيد من خطر حدوث أمراض المناعة الذاتية Autoimmune disease مثل أمراض الحساسية، ومتلازمة القولون العصبي.

  • التأثير على الجهاز التناسلي

عدم التوازن الهرموني الناتج عن الضغط العصبي السام يؤدي إلى عدد من التغيرات مثل تثبيط تخليق و إفراز الهرمونات الخاصة بالمناسل GnRH  ,FSH , LH ، هبوط انتاج هرمون " تستوستيرون " ، استموات خلايا المبيض أو الخصية .. وكلها تغيرات قد تؤدي فى النهاية إلى إصابة الطفل بالعُقم مستقبلاً Infertility.

  • التأثير على جهاز الغدد الصماء

إن الارتفاع المستمر للكورتيزول بالدم نتيجة الضغط العصبي السام يؤثر سلباً على العديد من وظائف الغدد الصماء مثل التأثير المثبط لقدرة هرمون النمو و هرمون Somatomedin  c  على إفراز السكريات القشرية Glucocorticoids  و تثبيط هرمونات الغدة الدرقية T3 ,T4  ، و تثبيط افر از الهرمون  المحفز للدرق TSH  .. وهي اختلالات تؤدي إلى الإصابة باضطرابات أيضية متنوعة Metabolic disorders.

 

الإشارات العلمية للآية

الأية الكريمة (كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) بما تحمله من أمر بإكرام اليتيم والإحسان إليه وبما فيها من ترغيب في ذلك وترهيب من عكس ذلك يتفق تماماً مع ما أشار إليه العلم المختص بدراسة" محن وابتلاءات الطفولة" Childhood adversity    ومدى تأثير تلك المحن على الصحة والنمو.

واليتيم لغةً هو من فقد أباه وكاسبه.. وتخبرنا الحقائق السابقة أن فقدان الأب وغياب دوره الداعم للابن بسبب موته أو سجنه أو مرضه العقلي أو إدمانه للمخدرات هو من أسباب الضغط العصبي لدى الطفل كما ذكرنا.. فإذا تواجدت رعاية و اهتمام ممن حول الطفل اليتيم (أو الطفل المبتلى عموماً) بالشكل الذى يعوضه حنان الأب و مكانته فسوف تتعادل الكفتين (كِفة اليٌتم = كِفة العطف) فيتحقق التوازن النفسي بما يجعل من اليُتم ضغطاً عصبياً مُتحمَلاً و مُطاقاً و بما يبعد اليتيم عن الإصابة بحالة الضغط العصبي السام Toxic stress  و ما  فيه من  سموم لكثير من أجهزة الجسم الهامة كالجهاز العصبي و جهاز القلب و الأوعية الدموية و الجهاز المناعي و غيرهم ..

يخبرنا العلم اليوم بأن أسرع نمو للمخ يبدأ من فترة ما قبل الولادة مروراً بالسنوات الأولى من العمر، وهي الفترة الحساسة من العمر.. وتأتي المحن المبكرة Early adversity لتحدد ما إذا كان التنظيم الهندسي لبِنية المخ Brain architecture سيكون قوياً أم هشاً.. و أثناء الفترات الحساسة تلك فإن دوائر المخ العصبية Brain circuits تكون أكثر تأثراً بالتجارب و العوامل الخارجية إما للأفضل و إما للأسوأ، حيث أنه في تلك الفترات يتم تشكيل النمو المعرفي و العاطفي السليم للطفل من خلال التفاعل الإيجابي و الرعاية المقدمة له من الكبار ، و على النقيض تماماً ، فإن المحن الصادمة أو المزمنة

تستطيع أن تخل من النمو الطبيعي للمخ .

النضوج.jpg

والآن مع الإشارات العلمية التي تقف وراء حض الآية الكريمة (كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيم) الفجر 17 على إكرام اليتيم وعدم إهماله أو قهره..

  • إشارات علمية تؤكد فوائد الدعم المقدم من الكبار " للطفل المبتلى " ومنه الطفل اليتيم.. نذكرها منها:

1-يخبرنا العلم اليوم أن تقديم الكبار لعلاقات تربوية إيجابية للطفل بشكل ثابت في مراحل عمره المبكرة تستطيع أن تمنع أو حتى تعكس الأثر المدمر للضغوط العصبية والمحن المبكرة مع منح فوائد لتعليم وسلوك وصحة أفضل طيلة الحياة.

  1. وجدت الدراسات أيضاً أن حماية الطفل الصغير من خلال علاقات إيجابية داعمة من الكبار الحاضنين له تكسبه مهارة التعامل الصحيح مع ما يعرض له من تحديات يومية وبالتالي يصبح قادراً على أن يُحجم ويخمد بداخله استجابة الضغط العصبي الناتجة عن تلك التحديات وبالتالي تحاشي الإصابة بالنوع " السام " من الضغط العصبي Toxic stress.. وهو ما يحقق للطفل صحة أفضل للجسم والعقل.

 

  1. بينت بعض الأبحاث أن التدخل المتأخر يُحتمل أن يكون أقل نجاحاً من التدخل المبكر، بل وقد يكون مع بعض الحالات غير فعّال بالمرة.. فقد وجدت الدراسات أن الرعاية المقدمة للطفل – على سبيل المثال – قبل عمر عامين لها نتائج أفضل على النشاط العقلي للطفل Mental activity من أن تقدم تلك الرعاية بعد عمر العامين..

 

  1. التفاعل الإيجابي من الكبار مع الطفل خاصةً في الفترات الحساسة من عمره يسهُم في تشكيل النمو الصحي والمعرفي له Healthy cognitive development.

المخ.png
  • إشارات علمية تؤكد خطر عدم دعم الكبار “للطفل المبتلى “ و منه الطفل اليتيم.. نذكر منها:

  1. تعرض الطفل لمحن و شدائد متكررة أو طويلة دون وجود دعم و رعاية من الكبار حوله يعرض الطفل إلى " الضغط العصبي السام " Toxic stress الذى يرفع الكورتيزول بشكل زائد يخل بنمو الدوائر العصبية بالمخ Brain circuits .

  2. كلما كانت المحن التي يتعرض لها الطفل شديدة كلما ظهرت لدى الطفل مشاكل تأخر النمو و مشاكل أخرى عديدة، و الأهم من ذلك أن محن الطفولة قد تترك أثراً صحياً سيئاً يدوم طوال الحياة، فالعلم يخبرنا أن الكبار الذين قد مروا  بشدائد و محن خلال طفولتهم المبكرة هم أكثر عُرضة لاحتمالية الإصابة بمشاكل صحية مثل : إدمان الكحوليات Alcoholism  ، الاكتئاب لنفسي ، أمراض القلب ، داء السُكري Diabetes .. كما هو موضح بالشكل البياني التالي

محن الطفل.png

وجدت الأبحاث أن الأطفال الذين يوضعون في " ملاجئ الأيتام

لفترة قصيرة بعد ولادتهم تحت ظروف قاسية من الإهمال الشديد يظهر عليهم انخفاض واضح بنشاط المخ  مقارنةً بالأطفال الذين لم يوضعوا في أي مؤسسات.. والشكل التالي يوضح ذلك حيث يرمز اللون البرتقالي والأحمر إلى النشاط العقلي.. الصف العلوي يمثل أدمغة أطفال تعرضوا لإهمال شديد، بينما الصف السفلي هو لأدمغة أطفال لم يوضعوا في أي مؤسسات

"

الصف.png

الخلاصــة

قد كشفنا بالأدلة الثابتة في هذه المقالة ما وراء قوله تعالى (كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) الفجر 17 من إشارات علمية عديدة، منها ما يُثبت مدى أهمية “كفالة “في إبعاد الطفل الذى فقد أباه عن الضغط العصبي السام Toxic stress عبـوراً به  إلى حالة التوازن النفسي و الجسدي ، و منها ما يُثبت ما لــ " إهمال اليتيم " و عدم رعايته بوجهٍ خاص (و الطفل المبتلى بوجهٍ عام) من عواقب صحية وخيمة قد تظهر في الطفولة و قد تظهر  أيضاً بعد بلوغ الطفل لسن الرشد .

وبذلك فإن تلك الإشارات تكون قد جاءت مؤكدة ومصدقة لما بين يدي تلك الآية الكريمة (كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيم) الفجر 17من أهمية إكرام اليتيم وضرورة الإحسان إليه كي لا يُصاب بالضغط العصبي السام Toxic stress.. وهو الهدف الذي من أجله أُنشئت " دور كفالة اليتيم " في عصرنا الحالي ... وهو نفس الأمر الذي شجعت عليه أيضاً السُنة المطهرة ورغبت فيه، فصار كافل اليتيم رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة في قوله «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُما شَيْئًا... مسلم

 

وأخيراً فإن الشريعة الإسلامية بتبنيها لليتيم والأمر بإكرامه والإحسان إليه وكفالته والحفاظ على مالِه لدرجة تصل بكافله إلى دخول الجنة تكون قد سبقت العلم الحديث فيما جاء به من حض على رعاية الكبار للطفل المبتلى عموماً والطفل اليتيم خصوصاً.. وهو ما يُبين لغير المؤمنين أنه الحق..

بعد ما أثبتناه علمياً من خطر جسيم يحدق باليتيم جسمانياً و عقلياً أوصي بزيادة عدد المنشئات الخاصة برعاية الأيتام سواء بالجهود الخاصة أو الجهود الحكومية، كما أوصي الخطباء على المنابر بتكثيف الإشارة إلى أهمية " كفالة اليتيم" في المجتمع المسلم و لو في منزله، إيماناً بحق اليتيم في مأوى جيد و طعام صحي و تعليم جيد و وسادة نظيفة و ملبس جيد و عقل و بدن سَليمان جبراً لقلب اليتيم المكسور .